ابن قيم الجوزية

11

البدائع في علوم القرآن

إذا فهذه الرسالة التي جاء بها النبي صلى اللّه عليه وسلم كاملة الهدى في تمام ، وتامّة الحق مع كمال . وَدِينِ الْحَقِّ هنا لبيان أن خلافه باطل ، لا حق فيه ، وإن ادعى أصحابه ذلك ، والحجة والبرهان تثبتان اشتمال دين اللّه على الحق وأنه لا حق إلّا في دين اللّه تعالى . ثم قف وتأمل قوله تعالى لِيُظْهِرَهُ : هذا الظهور كان مع كمال الدين في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، حيث أظهره على أهل مكة ثم جزيرة العرب من نصارى نجران ويهود المدينة ، وغيرهم من الطوائف والوفود التي أقبلت على نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم داخلة في دين اللّه تعالى أفواجا . ثم هذا الظهور والعلو في عهد أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه وانتصاره على المرتدين والمكذبين ، ثم أيام عمر وعثمان رضي اللّه عنهما ، حيث الفتوحات شرقا وغربا ، إلى الفتوحات الكبرى التي جعلت دين اللّه تعالى يظهر من شرق الصين إلى غرب إفريقيا وجنوبها ، إلى جنوب أوروبا وغربها وشرقها إلى بلاد البلقان ، إلى أوساط روسيا ثم اليابان شرق آسيا ، فشبه القارة الهندية ، ثم الجزر الأندونيسية وما يحيط بها ثم استراليا . ثم بعد ذلك أمريكا الشمالية والجنوبية . . . إلى حيث لا توجد بقعة على الأرض إلّا وينادى فيها « لا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه » . وهذا الإقبال على الدين الحق والدخول فيه تراه في حال القوة ، كما تراه عند ضعف المسلمين - كما هو الحال الآن - ولا حول ولا قوة إلّا باللّه . فقد أسلم في أمريكا وحدها بعد أحداث 11 سبتمبر ( 2001 م ) عشرون ألفا « 1 » فضلا عن نفاد كل ما يوجد من كتب بالمكاتب الفرنسية وغيرها والتي تتحدث عن الإسلام . ولو ترك الأمر للدعاة ينشرون دين اللّه تعالى ، دون قيد أو تخويف أو حبس أو تعطيل لرأينا عجبا ، وقد نرى أحيانا ونسمع ما لا يصدقه عقل من إسلام أوروبيين وأمريكيين حتى أهل القبائل البسيطة في إفريقيا . ثم ما ذا نعم ، ثم ما ذا بعد هذه المقدمة التي أرجو من اللّه تعالى أن يصدقنا فيها النية . . . والتي ما أردت من ورائها إلّا رجاء اللّه تعالى أن يثبتنا وإخواننا على ديننا ، ويرد كيد المنافقين والمرجفين . . .

--> ( 1 ) نشر هذا في عدة صحف عربية ودولية وعلى مواقع في شبكة الأنترنت .